الجسد في الرواية العربية – محاولة قراءة في نماذج-

خولة الزلزولي

يعتبر الجسد في الرواية العربية علامة رمزية وسميائية حبلى بسلسلة غير متناهية الدلالات والأنساق القابلة للقراءة والتحليل.”إن للجسد طريقته في إنتاج الدلالة، التي هي مجمل الطاقات التعبيرية الكامنة في الجسد، تتجاوز البعد البيولوجي إلى البعد الاستعاري”[1] وبهذا ينقل الجسد الأفكار ويتواصل به مع الآخرين من خلال الرسائل غير اللفظية. “إن حقيقة الجسد تتمثل في كونه يحتل مكانة هامة في حياتنا اليومية، إنه المبدأ المنظم للفعل والهوية التي نعرف وندرك بها ونصنف من خلالها، وهو الواجهة التي تخون نوايانا الأكثر سرا، ليس غريبا أن نلح في الحديث عنه ونتغنى بجماله… وننصت إليه في قوله أو فعله، وفي جده وهزله في سكناته وحركاته وفي إيماءاته وفي لغته”[2] “. اذا كيف استطاعت الرواية العربية من خلال تيمة الجسد أن توصل بعض الرسائل عن طريقه للمتلقي؟

 الجسد المعذب في رواية أحلام مريم الوديعة لواسيني الأعرج

تستهل الرواية بمشهد يقول فيه البطل”أحبك أكثر، لكن الجرح كبير يا مريم ويغيب سعادتي، لقد نجحوا في كسري”[3] تعرض البطل لطعنة مميتة من الضابط سفيان الجزويتي على مستوى الظهر، ولكن رغم التمزق والجرح والطمس الجسدي تذكر عشيقته، والروائي من خلال مشهده هذا اعطى للقارئ صورة عن الجسد الإنساني الممزق والسلوكات الاستبدادية للسلطة على الجسد الانساني.

تضعنا الرواية أمام صورة أخرى لعملية التعذيب، وهي وصف لمشهد بالغ الوحشية متمثل في هتك جسد أنثوي على يد السلطة فهذه الاخيرة تبلغ أقصى درجات النشوة في التعذيب، ويبلغ معها الجسد أقصى درجات الإذلال وهو يتعرض للاغتصاب الوحشي مركزا على أكثر المناطق حساسية في الجسد الأنثوي، يقول المقطع السردي: “لهذه المرأة أكثر حساسية في تلقي الألم واللذة والمقاومة، يغرسون رؤوسهم في لحم الزهراء الفولنطارية”[4]؛ والزهراء هذه طالبة في الجامعة الجزائرية تنتمي إلى الاتحاد الطلابي الجزائري الذي يتبنى الفكر الشيوعي في تلك الفترة-الستينيات-، كانت ضد السلطة ومعادية للنظام، اعتقلت بتهمة الخيانة  للوطن ومن تم تعرضت للاغتصاب الهمجي الوحشي لجسدها الى حد الموت.

وصف واسيني الجسد المعذب مصورا ما يقع وراء قضبان السجون من انتهاك لحرمة الجسد، خاصة الأنثوي، فرواية أحلام مريم الوديعة تصف الجسد المعذب والممزق والمقاول للاستبداد، فتبرز أبعاد التشظي، عاكسة الانتهاكات التي مورست في حق الجسد، وأكثر من ذلك جعلتها تناقش من خلال الجسد صراع التيارات الفكرية بالجزائر خلال الستينيات التي كان يسيطر عليها التوجه الايديولوجي الماركسي.

الجسد المعنف في رواية الخبز الحافي لمحمد شكري

يحتل العنف والقسوة مكانا واسعا في رواية الخبز الحافي، فالرواية تصور نمو وتطور العنف منذ الطفولة وصولا إلى المراهقة، والرواية يهيمن عليها العنف سواء الجسدي أم المعنوي.  ويصور شكري الجسد المقهور والمعذب من طرف السلطة الأبوية تقول الرواية في هذا مشهد القاسي المتوحش والمرعب الذي يبين  جسد الأخ الضحية: “أخي يبكي، يتلوى ألما. يبكي الخبز … الوحش يمشي إليه.. الجنون في عينيه … يلوي اللعين عنقه بعنف. أخي يتلوى. الدم يتدفق من فمه”[5].

فالعنف الأبوي جعل شكري يعيش نوعا من العنف الرمزي والجسدي “قساوة أبي عليّ توقظ شهواتي نحو كل ما هو جسدي”[6]. وهذا ما يطرح قضية اللذة وتحقيقها حتى ولو في خيال الكاتب التي تأججها مشاعر الكره والعنف المتولدة من الحرمان.

“تعثرت وسقطت. أهوى عليّ بالعصا. عويت. شتمته في خيالي. يدفعني برأس العصا إلى الأمام … يضربني ويلعنني جهرا. أضربه وألعنه في خيالي. لولا الخيال لانفجرت.”[7]

ذهب محمد شكري إلى  العنف الرمزي بتعبير بيير بورديو لكي يتخلص من العنف الممارس على جسده ماديا، وهذا ما يسمى بالعنف المضاد واكتفاء الجسد بالعنف غير المادي كانتقام أو كمقاومة للعنف الجسدي الذي أصابه من أقرب الناس إليه.

الجسد كفضاء دلالي في رواية لعبة النسيان لمحمد برادة

يحتل الجسد في لعبة النسيان القسط الأوفر؛ بحيث نلاحظ أن محمد برادة يعطيه قيمته الجمالية كفضاء روحي وذلك بناء على تمظهرين أساسيين: الأول؛ يحظر فيه الجسد كشكل من أشكال الإثارة الفيزيقية مركزا على الوجه وبعض قسماته باعتباره  مقياسا جماليا “عرفناها فألفناها أحببنا وجهها الممتلئ المدور ببسمتها الذكية “[8] .

تملأنه وسيلة للتعبير عن الحالات النفسية من حزن وفرح… ويمكن أن يعتبر فضاء الجسد طريقة أخرى للحكي والوصف يحقق للنص جمالية ومتعة “كيف يمكن أن نعيش دون أن نختزل أجسادا في جسدنا”[9].

فبرادة وضعنا في بداية روايته في فضاء خارجي، ثم دخل بنا تدريجا إلى داخل الدار الكبيرة وما تحتوي عليه، إلا أن هذا الوصف الفني للفضاء لا أهمية له إلا إذا تم ملؤه بالجسد الإنساني، ومحور هذه الأجساد جسد الأم كمركز تجاذب للجميع “لا تكف عن الحركة تجلو الأواني، تذوق الطاجين، تغسل الزليج، تزور الأهل والأقارب”[10]، ونقرأ في الصفحات الأولى على لسان راوي الرواة : “في الدار أشياء كثيرة لكن أهم ما فيها الأم، إلا أنها تملأ الحيز كله”[11]

وعليه، فمؤلف لعبة النسيان نفسه لم يتخلص من سلطة الجسد في تصوير فضاءات روايته، وأخذ الجسد خاصيته وسيمته الروحية بحيث تجاوز كل ما هو شائع ومتعارف عليه في المجتمع إلى أبعاد دلالية عميقة.

تحمل تيمة الجسد أبعادا إيديولوجية كبيرة وما تطرحه من مواضيع شائكة تلتبس بالسياسة والدين والمجتمع ولكن وجب إخراج الجسد من حيز الكبت والقمع وإعادة بلورة الوعي به في ثقافتنا العربية لكي يخرج من حدود المفروضة علية من قبيل الجسد /الجنس، ويشمل الجسد بكونه امتدادا للفضاء وعلاقته بالذات.

فالجسد كينونة مادية وركيزة أساسية في العمل الروائي، وتداخل ما هو جسدي بما هو سردي من أجل بناء عالم محكم ومتناغم.

 

[1] سعيد بنكراد، السيميائيات مفاهيمها وتطبيقاتها، منشورات الزمن، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، ط2003،، ص 191-198.

[2] نفسه، ص19.

[3] واسني الأعرج ،رواية أحلام مريم الوديعة،دار الفضاء الحر،ط1،2001،بيروت ،لبنان،ص20.

[4] نفسه، ص 80.

[5] محمد شكري،  الخبز الحافي،  دار الساقي للطباعة والنشر، ط11، ص 8-9

[6] نفسه، ص36.

[7] نفسه، ص53.

[8] محمد برادة، لعبة النسيان، الأمان للنشر والتوزيع، ط1، 1995. ص12.

[9] نفسه، ص 86

[10] نفسه، ص 8.

[11] نفسه، ص8

Facebook Comments

Comments are closed.