ما العمل يا شباب؟ -2-

مصطفى امجكال

العمل : في المعرفة اليقينية أن التاريخ للعبرة و الاستفادة من التجارب و ليس للحنين إليه و تمني الرجوع إليه بحذافيره ، إننا ندرس التاريخ للعبرة ، قال تعالى { لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب } فصاحب اللب السليم يدرك مكامن الخطأ ليتجاوزها و ليس ليثني عليها و يحن إليها لا لشيء إلا لكونها من نتاج قوم يقدسهم و يرى فيهم العصمة أو الصلاح المطلق ، فالصواب صواب و الخطأ خطأ و هذا منهج رب العالمين الذي لا يعرف المحاباة و المناورة .
إن تاريخنا فعلا يمثل جانبا مشرقا من حياة الحضارة الإسلامية ، و هناك فترات عاشتها أمتنا المجيدة وصلت خلالها إلى مستويات راقية جدا من العلم و المعرفة و الفلسفة و الإبداع في شتى المجالات ، لكنها سنة الله أن يزول المجد عند مغيب شمس العدل و القسط ، { و لن تجد لسنة الله تبديلا } . فهل كان ذلك الرقي و ذلك النجاح كرامة من الله تعالى لهذه الأمة و هي راقدة نائمة لا تحرك يد الإبداع و الفكر و العلم و العطاء و إنما لكونها أمة محمد صلى الله عليه و سلم ؟ أم أنها كانت نتيجة لسنة ربانية مفادها الجزاء من جنس العمل ؟ نعم ، إن الجزاء من جنس العمل و لا فرق في ذلك بين صدر الأمة و لا آخرها، قال تعالى { و لقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون }.
فعندما يشيع الفساد ، مهما كانت أنواعه و تجلياته ، يظهر الضعف و الوهن و يصبح سير الأمة إلى الهاوية ، إنها سنن الله تعالى التي أخبرنا إياها في كتابه الكريم ، لكننا جعلناه وراءنا ظهريا .

العمل : أن نستلهم من التاريخ قيم التسامح و استحضار لحظات العزة فعلا ، حين كان الناس في ظل الإسلام الصافي يعيشون جنبا إلى جنب مع المسيحي و اليهودي ، و كان الناس إثنيات و عرقيات و ملل و نحل يعيشون تحت سقف العدل و القسط ، و ليس تحت سقف التسلط و الجبر ، أحيانا لا أكاد اصدق أننا فعلا صادقون في التغني بالأمجاد ، لقد أصبح يبدو لي أننا ممثلون بارعون في الكذب و الخداع ، ما يهمنا اليوم هو الدعوة إلى الطائفة و الحزب و الفرقة و الاتجاه الفلاني …. و إلا لماذا أصبحنا نستحضر كثيرا تاريخ الحروب و الانتصارات و التوسعات و ما حصل أثناء الخلافة من فتن و نحللها و ندرسها و نبني عليها المواقف و الأحكام ؟ بدل الحديث عن المآثر الفكرية و العلمية و الأخلاقية المشرقة من تاريخ الأمة؟؟ أنا على يقين كبير أن الكثير منا لم يقف عند نص المعاهدة التي كتبها النبي صلى الله عليه و سلم لنصارى نجران و ما فيها من البنود الرائقة جدا و التي تمثل بصدق سماحة الدين و رقيه ،و هذه الوثيقة مثال بسيط جدا من حقيقة حياة النبي صلى الله عليه و سلم ، فلماذا يتم طمر هذه النصوص و نحن في أحوج الحاجة إليها اليوم ؟ لسبب بسيط جدا : لأن نظرية الحرية و السماحة لا تخدم أجندة التوسع و الهيمنة و السيطرة و منهج التكفير ، و بالتالي لو ظهرت هذه النصوص كهذه المعاهدة النبوية العظيمة سنكون مضطرين إلى القول بحرية الاعتقاد و لا إكراه في الدين .. و غيرها من الآيات التي نسخها بعضهم بآية واحد !! آية السيف !!
لاحظوا معي شعارات الإسلام اليوم على القنوات الفضائية ، و لمن يتتبع البرامج الدينية من اجل دراسة واقع الأمة و ليس لتلقي الفتاوى المؤدى عنها ، سوف يجد أن أغلب البرامج تستدعي في عملية الإخراج صور الفرس و السيف و الرايات مثلا ، أو رموزا و صورا لأبطال عرفوا في ميدان الوغى كفرسان و مجاهدين ، أو يقدم للبرنامج بمؤثرات صوتية لصهيل الخيول و قعقعة السيوف أو صوت الدبابات … بل حتى عناوين بعض البرامج مثيرة لغرائز العنف و القوة و الغلظة، من قبيل الصارم البتار ..ّ” و قفوهم إنهم مسئولون” ، و كأن البرنامج ليس للحوار و تبادل الأفكار و إنما جلسة للنطق بالحكم و انتظار التنفيذ . نعم هكذا صرنا نصوغ التاريخ و نستحضره ، بدل الاستفادة منه و الاعتراف بجوانب النقص فيه . و كلامي هذا لا يعني بخس مجهودات بعض القنوات الدينية الراقية فعلا في طرحها و التي تتغيّا الوسطية و الاعتدال ، بل نشد على يديها و ندعوها إلى المزيد من التحرر من سلطة المذهبية التي ترخي بظلالها عليها أيضا .
إن واقع الأمة اليوم في علاقتها بالتاريخ لا يزال واقع حنين بدل كونه واقع اعتبار و عبرة.

اقرأ أيضا

ما العمل يا شباب؟ -1-

loading...

Facebook Comments