أقواس من المسرح المغربي..(القوس 1) : الريع والريع المقنع

تانسيفت 24

بقلم المخرج والكاتب المسرحي عمر الجدلي

بعد عشر سنوات من التجربة الحية والمعايشة المريرة والمعاينة الحثيثة، في خضم المسرح المغربي الاحترافي، واعتبارا لكون قطاع الفنون الدرامية في المغرب يعيش تحولا ظاهريا وركودا مخبوء تحجبه الشعارات والوعود والديماغوجيات حفظا للربح والامتيازات التي تحققها جهات معينة، جراء الارتباك والتسيب الذي يعيشه القطاع، قررت كتابة هذا الركن للحديث عن المسرح المغربي، أو بالأحرى المسكوت عنه في المسرح المغربي. وبقدر ما لا أدعي القدرة عن كتابة كل شيء عن المسرح المغربي، أقر أنني سأفتح بابا ظل موصدا لأزيد من عشرين سنة، وسأفتح أقواسا تمس كل جوانب الممارسة المسرحية في شقها التنظيمي. فما سأقوله وما سأكتبه ليس غريبا عن فناني القطاع وعن الدوائر الرسمية وغير الرسمية المتحكمة فيه، لكنه عاش كل هذه الفترة مدفونا في القلوب والضمائر، يرتع تارة في أحاديث المقاهي ومسامرات الحانات، ويتفجر تارة في كل اصطدام وفي إثر كل مزايدة أو رغو يتبدد بعد التوافق والتسوية السريعة.

القوس الأول : عن الريع والريع المقنع في المسرح المغربي.

كثر الحديث في السنوات الأخيرة عما اصطلح عليه بالريع المسرحي، حيث توظيف هذا المصطلح توظيفا قدحيا باستعارته من حقل دلالي مختلف الأبعاد والدلالات ( اقتصاد الريع )، على اعتبار أن المسرح المغربي ضل ولازال يعيش على الدعم العمومي، ولم يلج بعد بوابة الاقتصاد الوطني. وقد تحدث العديد من الفنانين وكذا بعض وسائل الإعلام في السنوات الأخيرة عن هذا النوع من الربح الذي تحققه فرق معينة ويستفيد منه فنانون دون غيرهم. وقبل الخوض في غمار وملابسات الموضوع، ومقاربته مقاربة منهجية تستند إلى الواقعية واستبيان الأمور من واقع الأمر ولسان الحال، لابد أن نطرق إلى تقعيد كلمة ” ريع ” التي عرفها لسان العرب كمرادف للنماء والزيادة، وكما جاءت في معجم ابن منظور بوصف الريع هو المرجوع والغلة. ولا بد أيضا أن نحيل، زيادة في التدقيق، إلى المعنى المتداول في المغرب عن الريع الاقتصادي والذي يشير فيما يشر إلى الدخل عن طريق الاستئثار باستغلال جزء من ثروات البلاد كرخص الصيد في أعالي البحار، ورخص مقالع الرمال، والمأذونيات المتعلقة بوسائل النقل العمومي إلى غير ذلك من أشكال الريع المتداولة في بلادنا.

إن الحديث عن الريع المسرحي والذي استشرى في خطاب بعض المسرحيين ووصل حد التهجم على زملائهم الذين استفادوا من مداخيل خاصة من وزارة الثقافة، عن طريق شراء عروضهم المسرحية خارج إطار الدعم المسرحي، يقتضي منا الكثير من التأمل والتدبر وإعمال منطق الأمور، كما يقتضي منا وضع الأشياء في سياقاتها التاريخية والاجتماعية والسياسية، وقد أتفق مع هذا الخطاب الذي يدافع عن ضرورة الاحتكام إلى المعايير الموضوعية وإعمال مبادئ الشفافية والمساواة والنزاهة في الاستفادة من الدعم العمومي للدولة في مجال المسرح، لكن دعونا نعود إلى العقود الأولى من الممارسة الاحترافية المسرحية، أي قبل إقرار العمل بنظام الدعم المسرحي، وأتحدث هنا عن عقود الستينات والسبعينات  والثمانينات من القرن الماضي حيث لم تكن هناك أية صيغ نظامية لدعم المسرح، عدا تسليم مبالغ مالية لفرق مسرحية معدودة على رؤوس الأصابع ولفنانين مكرسين، إما في شكل منح أو شراء عروض مسرحية لتقديمها خارج وداخل الوطن، في حين كانت فرق الهواة تنشط الساحة الثقافية المغربية وتساهم بشكل كبير في تأطير وتحسيس وتثقيف وتوعية المجتمع المغربي بمنح هزيلة لوزارة الشبيبة آنداك، وعاشت فرق محترفة أخرى، بمدن الدار البيضاء ومراكش خصوصا، عصرها الذهبي بتنظيم جولات من مئات العروض اعتمادا على شباك التذاكر والدعاية التلفزيونية والإذاعية. والنوع الأول من الدعم المالي، بطبيعة الحال، هو أصل الريع الذي نتحدث عنه اليوم، حيث لازالت نفس الفرق ولا زال نفس الفنانين، باستثناء الذين رحلوا إلى دار البقاء، هم من يستفيد من دعم مالي خارج مواضعات لجان الدعم والقانون المنظم له، وهو أمر طبيعي اقتنعنا به جميعا حين بدأ العمل بنظام الدعم المسرحي مع حكومة التناوب، واتضح أنه من الصعب على الفرق الرائدة، أمثال فرقة البدوي، ومسرح الناس، ومسرح اليوم، وفرقة المرحوم الطيب العلج، وعبد الحق الزروالي ونبيل الحلو، الخضوع للتباري مع فرق وجمعيات شابة وفق نفس المعايير وضمن نفس الشروط. وقد استمر هذا النوع من الدعم الاستثنائي حتى مع الوزير الأشعري الذي ابتكر نظام الدعم ورص الأرضية المناسبة للعمل به، وهو ما درج عليه كل وزراء الثقافة من ثريا جبران وبنسالم حميش مرورا بالوزير الصبيحي إلى وزير الثقافة الحالي محمد الأعرج. حتى أن وزير الثقافة الأسبق كان قد صرح في بيان، نشر بموقع وزارته، أنه قد سلم لمسرح البدوي ما يزيد عن سبعمائة ألف درهم في شكل شراء عروض لأعماله مسرحية خلال موسم واحد، ولم تقم الدنيا ولم تقعد ولم يرغي القوم ولم يزبدوا كما فعلوا اليوم، في حين أن وزارة تحترم نفسها وتراقب سلوكها الإداري ما كان عليها أن تقر بصرف أموال خارج دعم تشكل له لجان وتخضعه لقرار مشترك مع وزير المالية منشور في الجريدة الرسمية، لولا اعتبار الأمر ضربا من التقليد الجاري به العمل في التعاطي مع الفنانين الذين ينبغي التعامل معهم بنوع من اللباقة والكياسة.

وحين نستمع اليوم إلى خطاب بعض الزملاء، ونقرا تدويناتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، وهم ينتقدون الفنان عبد الكبير الركاكنة ،في موقف أقرب إلى الحرب من النقد، حين استفاد من دعم استثنائي في شكل شراء عشرة عروض بمناسبة الاحتفال بوجدة عاصمة للثقافة، وهو أمر حدث بعد أن حرمته لجنة الدعم بقيادة مستشار الوزير الصبيحي، حسن النفالي، من دعم الجولات للموسم 2017، نستغرب استغرابا شديدا لمنطق الريع هذا الذي يتلون حسب الأهواء، خصوصا وأن الوزارة خصت فرقا أخرى وفنانين آخرين بدعم من نفس النوع وبنفس المناسبة وقبلها وبعدها دون أن ينبس أحد ببنت شفة. أليس هذا الدعم الذي نسميه ريعا هو نفس الريع الذي تكرس في المسرح المغربي منذ عقود ولازال؟ أليس هو نفس الدعم الذي يخرج من ميزانية وزارة الثقافة بمناسبة مهرجاناتها الوطنية، واليوم الوطني للمسرح واليوم العالمي للمسرح وافتتاح الموسم المسرحي؟ وكل هذا خارج بوتقة لجنة الدعم المسرحي طبعا. أليس برنامج تنشيط المراكز الثقافية، الذي كان بمثابة صندوق أسود لمدير الفنون السابق، والذي كان يقتني عشرات العروض، خلال نفس الموسم، من نفس الفرق ومن نفس الأشخاص وغالبيتهم من موظفي وزارة الثقافة، في حين تقصى باقي الجمعيات رغم جديتها وجدة منتوجها. أليس هذا نوعا من أنواع الريع الذي تروج له الإدعاءات المغرضة.

لقد تحول الدعم المسرحي في السنوات الأخيرة، وخصوصا، بعد ولاية الوزير بنسالم حميش القصيرة، إلى نوع من الريع المقنع، حسب نفس التوصيفات التي تحدثنا عنها آنفا، مع تغير الأسباب والأساليب. فحين تتشكل لجان الدعم على أساس الولاءات لتنظيم مهني معين، وعلى أساس القرب، أنداك، من مستشار الوزير الذي تحول بقدرة قادر إلى عضو رسمي في لجنة الدعم التي عينها الوزير الصبيحي في الوقت الميت من ولايته، وحين تقوم لجنة بدراسة مائة وعشرين ملفا لطلب الدعم ،بأنواعه المختلفة والمتباينة، في اثني عشرة ساعة، وحين يصبح عضوا في لجنة الدعم شخص ظهر للتو في المشهد المسرحي من دون رصيد إبداعي أو إنتاج فني في المسرح المغربي، ومن دون معرفة بواقع الممارسة المسرحية المغربية، وحين يعين فنان رئيسا للجنة الدعم من دون أن يحضر اجتماعاتها وأن يشاهد عروض الأعمال التي اختارتها اللجنة باسمه، وحين يوزع الدعم على المقربين من اللجنة وأصدقاء أعضائها، وحين وحين وحين…، ألا يعتبر كل هذا ريعا مقنعا فصلت له لجان ظاهرها فيه رحمة الأصدقاء والمداهنين وباطنها فيه العذاب للسواد الأعظم من شرفاء المسرح المغربي؟ فكيف إذن نريد للركاكنة وأمثاله الذين يعيشون من المسرح ولا شيء غير المسرح، أن يضمنوا قوت يومهم ويؤمنوا مستقبل أبنائهم، وأبواب الدعم توصد في وجوههم من دون موجب شرع؟ كيف نريد لهذا المسرح المغربي أن يتطور، ولهذه المهنة أن تستقر على حال وأن تنسجم مع قانون يشكل، نظريا، قاعدة حماية لجميع المهنيين.

يعيش الفنان المسرحي اليوم، واستمرارا لحال الذي مضى والذي قضى، واقعا مزريا يشكل فيه الدعم المسرحي أو الريع المسرحي المتنفس الوحيد، مما يجعلنا أمام وضعية شاذة يعكسها مشهد مسرحي مهترئ ووضعية اجتماعية تحت الصفر لفناني المسرح الرواد والمتفرغين على الخصوص، وهو ما حدا بالكثير من الأسماء الفنية الوازنة التراجع وترك مبدأ المطالبة بالحق وبالتغير، والاستعانة بالرعاية الملكية السامية التي استفاد على إثرها العديد منهم ومن أسرهم من رواتب شهرية تكفل لهم العيش بكرامة، وهو أمر لا يمكن لأصحابنا أن يسموه ريعا، ليس فقط لنبله وسمو أهدافه، بل أيضا لكونه نابعا من إرادة ملكية لا مراء فيها ولا جدال.

قبل إغلاق قوس الريع المسرحي وفتح قوس آخر من أقواس المسرح المغربي، لا بد أن نؤكد، وبكثير من الألم والمرارة، أن المسرح المغربي يعيش تحت وطأة المتناقضات السافرة ويخوض في الحديث عنه وعن قضاياه مرتزقة وجلادون لا يخافون فيه الله ويفعلون ما يؤمرون، ومقابل ذلك يصوم عنه النقاد والعارفون بخبايا الأمور، ويتوارى في خجل كل ذي حق وصاحب رؤية وحامل مشروع حقيقي. وحسبي في نهاية هذه السطور أن أكون قد نفضت عني هذا الشيطان الأخرس الذي ظل يترصدني لسنوات، وإلى قوس آخر بحول الله وقوته.

Facebook Comments