في سابقة من نوعها: 160 درهما شهريا قيمة تعويضات التنقل لمفتشي التعليم بأكاديمية مراكش آسفي؟!

محمد الحبيب ناصف

تأبى الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين بجهة مراكش آسفي إلا أن تشكل الاستثناء في التدبير الإداري والمالي لشؤون المنظومة التربوية بالجهة. ففي سابقة من نوعها، وبعيدا عن أي حكامة في التدبير، وفي خدش مرفوض للمكانة الاعتبارية لهيئة التفتيش، وفي غياب لأي نوع من التقدير للأدوار التي تضطلع بها هيئة التأطير والمراقبة التربوية وللمجهودات الجبارة التي تبذلها أداءً للواجب وخدمةً للمنظومة؛ عمدت أكاديمية مراكش آسفي لتخصيص ما قدره 640 درهما لتعويض المفتشين التربويين للتعليم الابتدائي والثانوي عن التنقل برسم الموسم الدراسي 2017/2018 عن الفترة الممتدة من شتنبر 2017 إلى دجنبر 2017، أي بمتوسط قيمته 160 درهما شهريا؟!

إن هذا التدبير وهذه المعاملة التي خصت بها إدارة الأكاديمية المفتشين المنتقلين من خارج الجهة لمديريات شيشاوة والحوز واليوسفية أو المعينين بها بعد التخرج من مركز تكوين مفتشي التعليم بالرباط يدفع لطرح تساؤلات مشروعة عن الدوافع والأسباب وراء هذا التمييز السلبي الذي وقع على هذه الدماء الجديدة التي ضخت في جسم هيئة التأطير والمراقبة التربوية بهذه الجهة. ذلك أن أكاديمية جهة مراكش آسفي كانت محظوظة عندما استفادت من حصيص مرتفع نسبيا من تعيينات خريجي مركز تكوين مفتشي التعليم بالرباط برسم سنة 2017 مقارنة مع الأكاديميات الأخرى حيث بلغ عدد المعينين بها أربعة وأربعين مفتشا، منهم ثمانية عشر مفتشا تربويا للتعليم الثانوي، وستة وعشرون مفتشا تربويا للتعليم الابتدائي، لكنها للأسف لم تحسن وفادة الضيف الجديد، وقصّرت في ذلك.   

لقد مارست أكاديمية مراكش آسفي نوعا من التبخيس لمجهودات مفتشين التحقوا حديثا بالجهة كلهم حماس وتصميم على دعم التأطير بالمديريات التي عينوا بها، وقد أبانوا خلال الموسم الدراسي الجاري عن كفاءة عالية في أداء مهام التأطير والمراقبة التي تدخل في صميم اختصاصهم، أو أثناء القيام بالمهام التي كلفوا بها إقليميا وجهويا سواء فيما يدخل في العمل التخصصي أو في العمل المشترك بين مجالات التفتيش الخمسة إلى جانب زملائهم في التوجيه التربوي والتخطيط التربوي والمصالح المادية والمالية، وحصيلة عملهم تشهد على ذلك. ويكفي في هذا الصدد أن نذكر بعملية تتبع الدخول المدرسي التي قادتها المفتشية العامة للوزارة خلال بداية الموسم 2017/2018، والتي شاركت فيها هيئة التفتيش بكافة مجالاتها وتخصصاتها والتي أنجزت ما بين 14 شتنبر و6 أكتوبر 2017؛ وهذه العملية بمفردها لا تتناسب وتعويض التنقل الذي حددته الأكاديمية في 640 درهما، فضلا عن الأنشطة الاعتيادية التي تدخل في برنامج عمل المفتش من زيارات وتفتيشات ولقاءات تربوية وورشات تكوينية ودروس تجريبية وغيرها… والتي تنجز في ظل ظروف صعبة يمارس فيها المفتشون مهامهم وفي مقدمتها ارتفاع نسبة التأطير التي تتجاوز مائتي أستاذ لكل مفتش سواء في التعليم الابتدائي أوالثانوي ، وكذا الامتداد الجغرافي للمناطق التربوية في أقاليم وعرة التضاريس مثل شيشاوة والصويرة والحوز، إضافة إلى تكليف المفتشين في أكثر من مديرية وما يرافق ذلك من أعباء إضافية، علاوة على مشكل حظيرة سيارات المصلحة المهترئة التي أصبحت تشكل خطرا على السلامة الجسدية للمفتشين…  

ولعل التضامن الذي عبر عنه المفتشون العاملون بالأكاديمية مع زملائهم الجدد، واستغرابهم من التمييز السلبي في قيمة تعويضات التنقل التي لا تنبني على أي أساس، يؤشر على التماسك الذي تعيشه الهيئة بأكاديمية مراكش آسفي؛ ففي هذا الإطار عبر المكتب الإقليمي لنقابة مفتشي التعليم بالحوز في بيانه الصادر بتاريخ 21 ماي 2018 عن استغرابه من التمييز بين المفتشين الجدد والمفتشين المنتقلين إلى مديرية الحوز من جهة، والمفتشين القدامى من جهة أخرى في قيمة تعويضات التنقل لأداء مهام التفتيش، وعن رفضه لذلك رفضا قاطعا لعدم استناده على أي أساس، كما أعلن أن هيئة التفتيش متماسكة أكثر من أي وقت مضى ويمتنع اختراقها.

هذا وقد أكد الكاتب الجهوي لنقابة مفتشي التعليم بجهة مراكش آسفي عبد الكريم أكومي أن المكتب الجهوي للنقابة قد طرح هذا المشكل مع مدير الأكاديمية منذ مدة ولأكثر من مرة، كما ناقشه مع رئيس قسم الشؤون الإدارية والمالية بالأكاديمية، وقد تلقى وعودا متكررة بإيجاد حلول للمشكل لكن دون أن تلوح أية نتيجة في الأفق ونحن في نهاية الموسم الدراسي.

إن هذا المشكل يطرح علامات استفهام حول التدبير المالي والميزانياتي لأكاديمية مراكش آسفي، إلى جانب مشاكل أخرى تتعلق بتأخر صرف مستحقات المفتشين المتعلقة بمختلف العمليات التي يقومون بها في إطار تكليف بمهام من قبيل المشاركة في لجان إعداد مواضيع الامتحانات الإشهادية الجهوية، والمشاركة في العمليات الخاصة بمباراة التعاقد من انتقاء أولي وتصحيح للامتحان الكتابي وعضوية للجان الاختبارات الشفهية، وكذا المهام المرتبطة بامتحانات الباكالوريا من ملاحظة وتتبع الإجراء، وإشراف على التصحيح، ومداولات، وعضوية لجان زجر الغش وغيرها؛ ناهيك عن قيمة هذه التعويضات التي لا تتناسب وحجم الأعباء الملقاة على عاتق هيئة التفتيش وحساسية بعضها… كما يسجَّل على إدارة أكاديمية مراكش آسفي عدم تمكين المفتشين الجدد من عدة العمل (حواسيب وطابعات، وهواتف، وأنترنت…)، وقد صرح عدد كبير منهم أنه اضطر للاشتغال بوسائله الخاصة طيلة الموسم الدراسي من أجل تأمين التأطير والتقويم لهيئة التدريس ضمانا لحقوقهم في المشاركة في الترقية، وسعيا للمساهمة في تجويد أدائهم لما فيه مصلحة الناشئة وجودة خدمات المدرسة المغربية، ناهيك عن إقصاء ممثلي المفتشين من المجلس الإداري للأكاديمية.

والواقع أن هيئة التأطير والمراقبة التربوية باعتبارها إحدى الهيئات المشكلة للموارد البشرية بوزارة التربية الوطنية التي يؤطرها المرسوم رقم 2.02.854 الصادر في 8 ذي الحجة 1423 الموافق لـ 10 فبراير 2003 بشأن النظام الأساسي لموظفي وزارة التربية الوطنية كما وقع تتميه وتغييره، هي هيئة مواطنة تضع نصب عينها المصلحة العامة والرقي بالمنظومة التربوية والمدرسة المغربية بما يحقق المصلحة الفضلى لأبناء هذا الوطن أولا وأخيرا، وهي تشتغل في تكامل تام وتعاون مستمر مع باقي الهيئات المشتغلة في النظام التعليمي المغربي والمتمثلة في هيئة التدريس، وهيئة التسيير والمراقبة المادية والمالية، وهيئة التوجيه والتخطيط التربوي، وهيئة الدعم الإداري والتربوي والاجتماعي. والهدف المشترك هو تحقيق الجودة المنشودة في المنظومة التربوية المغربية.

لذا – والحالة هاته – فإن إدارة الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين بجهة مراكش آسفي مدعوة إلى الانخراط بنفس إيجابي في سيرورة الإصلاح الاستراتيجي للمنظومة التربوية، والسهر على تنفيذه جهويا عبر اعتماد حكامة حقيقية في تدبير الشأن التعليمي تشمل مختلف الجوانب الإدارية والمالية والميزانياتية، مع الحرص على تحفيز العنصر البشري الذي يعتبر عصب المنظومة في مختلف مستوياتها.

ونختم هنا بتوجيه تحية إجلال وإكبار لنساء التعليم ورجاله أينما وجدوا، ونقول لهم هنيئا لكم بأشرف مهنة تُعنى ببناء الإنسان. 

Facebook Comments

Comments are closed.