قراءة في توقيف مجلس جهة كلميم وادنون

د. محمد الغالي*

هذه القراءة للدكتور محمد الغالي بمثابة محاولة أولية سنتبعها بقراءات أخرى متى توفرت عناصر جديدة للفهم والتحليل ملاحظاتكم ستغني من دون شك هذا النقاش العلمي.

هناك ثلاثة إجراءات تأديبية في حالة حصول ما يخل بقيام المجالس المنتخبة بمهامها، حيث القيام بهاته المهام يشكل شرطا أساسيا لتحقيق المصلحة العامة. تتعلق هذه الإجراءات التأديبية ب : 1) التوقيف؛ 2) العزل؛ 3) الحل.
1. بالنسبة لإجراء التوقيف
ليس هناك تنصيصا يسمي بشكل صريح الجهة المخول لها اتخاذ هذا الإجراء سواء جهة الرقابة الإدارية أو جهة الرقابة القضائية. وعليه هل التوقيف يتعلق بإجراء قضائي أم بإجراء إداري؟؟
التنصيص الذي نراه في هذا السياق فيه بصيص من عناصر التحديد ما نصت عليه المادة 44 من القانون التنظيمي 14/111 كما يلي: كل إخلال بشكل متعمد بأحكام هذه المادة يوجب تطبيق الإجراءات التأديبية من عزل للأعضاء أو توقيف أو حل للمجلس المنصوص عليها، حسب الحالة، في المادتين 67 و76 من هذا القانون التنظيمي.
مما يفيد أن الإمكانية القانونية لتوقيف المجلس متوفرة دون تسمية الجهة المختصة مباشرة بذلك ومن دون تحديد مسطرة تحققه.
2. بالنسبة لإجراء العزل
تحليل مختلف السياقات القانونية التي ورد فيها مصطلح العزل، تؤكد بأن الجهة الوحيدة المختصة هي القضاء. (المواد: 11؛ 22 ؛44 ؛ 66؛ 67؛ 71 ؛ 74 )
تنص المادة 66 على ما يلي: يختص القضاء وحده بعزل أعضاء المجلس وكذلك بالتصريح ببطلان مداولات مجلس الجهة.
3. بالنسبة لإجراء الحل
تحليل مختلف السياقات القانونية التي ورد فيها مصطلح الحل، تؤكد بأن الجهة الوحيدة المختصة هي القضاء. (المواد: 23؛ 44 ؛66 ؛ 74؛ 75؛ 76 ؛ 77؛ 78؛ 132؛ 147؛ 149 القانون التنظيمي 14/111)
تنص المادة 66 على ما يلي: يختص القضاء وحده بحل مجلس الجهة.
وعليه يتضح مم خلال هذه المادة أن كلا من إجراء العزل وإجراء الحل يدخل في اختصاص القضاء دون غيره؛ و عليه يبقى النقاش قائما إذا حول إجراء التوقيف لمن يعود فيه الاختصاص؟؟.
يتعلق التوقيف بإجراء مؤقت يتخذ من أجل تدارك وضعية قائمة تمس بالمصلحة العامة.
بينما العزل يتعلق بإجراء نهائي لإنهاء ممارسة مهام، والحل يتعلق بإجراء نهائي لإنهاء ممارسة انتداب، لذلك النص القانوني كان واضحا وأسندهما بشكل صريح إلى القضاء. وإذا رجعنا إلى الهندسة الدستورية للسياسات العمومية من حيث توزيع و إسناد الاختصاصات نجد أن الجماعات الترابية ملزمة باحترام السياسات الشمولية التي تضعها الدولة وعلى رأسها الحكومة واحترام كل المبادئ الناظمة للتدخل العمومي والمتمثلة في ضمان مبدأ الاستمرارية والدوام للمرافق العمومية ومبدأ الفعالية والنجاعة ومبدأ الإنصاف والمساواة.. وكلها مبادئ تلتقي وتتعاضد في تحقيق هدف المصلحة العامة.
فإذا كان النص صريحا في إسناد الاختصاص من حيث الحل والعزل بشكل جد واضح إلى القضاء فان السكوت عن إسناد التوقيف بشكل صريح الى جهة معينة يجعلنا أمام وضعيات نشير منها إلى ما يلي:
1) عدم ورود التقييد بتحديد المختص بالتوقيف يعني ضمنا عدم جعله اختصاصا محصورا على القضاء وتركه خاضعا لقواعد التدبير العام التي تجعل من الحكومة الراعي المباشر على تحقيق المصلحة العامة، وهذا يتماشى وطبيعة النظام الدستوري والسياسي المغربي الذي تتمتع فيه الحكومة بامتيازات تجعل منها صاحبة الصدارة في تحقيق المصلحة العامة.
2) تحليل مختلف السياقات القانونية التي ورد فيها مصطلح التوقيف يغلب حمولة كونه إجراءا مؤقتا مصاحبا لإجراء العزل أو إجراء الحل، وكونه وسيلة للتحكم في مخاطر اللجوء إليهما درءا لما يمكن أن يشل المرافق العمومية في أداء أدوارها.
3) نص مشروع القانون التنظيمي تحت رقم 14/111 صراحة في مادته 76 على ما يلي: إذا رفض المجلس القيام بالأعمال المنوطة به بمقتضى أحكام هذا القانون التنظيمي والقوانين والأنظمة الجاري بها العمل أو رفض التداول واتخاذ المقرر المتعلق بالميزانية أو بتدبير المرافق العمومية التابعة للجهة…. أمكن للسلطة الحكومية المكلفة بالداخلية اتخاذ أحد الإجراءين التاليين: 1) توقيف المجلس لمدة ثلاثة أشهر بقرار معلل ينشر بالجريدة الرسمية؛ 2) إحالة الأمر إلى المحكمة الإدارية من أجل حل المجلس …
وحذفت هذه الصيغة الخاصة بعد المصادقة النهائية على هذا القانون وصدوره بالجريدة الرسمية لتحل محلها صيغ عامة لا تحدد بوضوح الجهة المختصة حصريا بالتوقيف كما حصل مع الغزل والحل.
يعتبر اللجوء الى التوقيف المباشر من طرف السلطة الحكومية المكلفة بالداخلية في تقديري العلمي أخف الضررين للاعتبارين التالية:
1) العزل والحل ينهي المهام بشكل نهائي إن تم اعتمادهما من طرف السلطة المختصة، وهذا عكس التوقيف؛
2) التوقيف يصدر عن جهة بصفتها سلطة إدارية يفتح الفرص أمام اللجوء الى القضاء للطعن في قرار التوقيف إن كان هناك سبب موجب لذلك؛
3) يترتب قانونا عن إجراءات إنهاء المهام توقيف الجهة المعنية مما يعني أن السلطة الحكومية ضمنا تتوفر على سلاح التوقيف بمجرد التقدم بطلب انهاء المهام بالنسبة لجهة معينة؛
و عليه من أجل خدمة التجربة الفتية لخيار الجهوية المتقدمة يمكن للجهات المتضررة والمعنية التقدم لدى القضاء المختص الذي أوكل له الدستور كل الصلاحيات للعب دور الناظم لعمل السلطات وبالتالي التحكم في كل التدفقات الزائدة في علاقة القانوني بالسياسي، التي تهدد إعمال المصلحة العامة من هنا أو هناك..
يتبع..

*أستاذ العلوم السياسية والقانون الدستوري بجامعة القاضي عياض بمراكش

. جميع الإراء الواردة في مقالات الرأي تعبر عن رأي صاحبها وليس بالضرورة عن رأي جريدة تانسيفت 24

 

loading...

Facebook Comments