العمل الجمعوي بين نقطة نظام و نظام الديمقراطية التشاركية

لاشك أننا اليوم أمام مرحلة جديدة في مراحل تطور العمل الجمعوي في المغرب ، خصوصا بعد الحراك الديمقراطي أو ما يعرف بالربيع العربي . فبعد صدور دستور 2011 أصبح للمجتمع المدني و العمل الجمعوي معنى آخر و تصورات جديدة و مجالات تدخل أعمق و أكبر مما كانت عليه من قبل . لعل المتتبع للعمل الجمعوي قبل عقود سيقف بوضوح على مجالات تدخل الجمعيات بوجه خاص ، فكلنا يعرف مدى ارتباط اسم الجمعية بدار الشباب والأنشطة الترفيهية داخل قاعات الدار و فضاءاتها المجاورة من ملاعب و مساحات خضراء أن وجدت طبعا .

من منا كشباب لم يتربى داخل إحدى دور الشباب و يتعلم الأناشيد التربوية و الإسلامية و المسرح و السكيتشات و الموسيقى …. إنها الأنشطة الرسمية والدائمة التي تربت عليها أجيال متعاقبة جيلا بعد جيل . لقد صارت هذه البرامج شعارا خالدا لدى معظم الجمعيات عبر التراب الوطني ، و بالفعل كان لها الأثر الإيجابي الكبير في الكثير من الأحيان، فقد كان لدور الشباب و العمل الجمعوي الفضل في بزوغ العديد من النوابغ في مختلف المجالات الثقافية و الفنية كالمسرح و الغناء و الرسم و السينما و الكتابة الأدبية و الشعر ، لكن كانت نوابغ على المستوى الأفراد ممن كان يحمل بين جوانحه موهبة تحتاج فقط الدفعة و الانطلاقة.

لكن بقي السؤال الكبير : هل تجاوزت جمعيات المجتمع المدني منطق الأنشطة و نقطة نظام إلى منطق أعمق و أكبر تصير من خلاله شريكا في بناء التنمية البشرية و الاقتصادية و السياسية و الاجتماعية. …؟ أن هذا المنطق لم يحضى بالاهتمام الكبير إلا بعد دستور 2011 الذي نص على أن جمعيات المجتمع المدني تعتبر شريك في بناء السياسات العمومية من خلال ما بات يعرف بالديمقراطية التشاركية. لذلك يمكن القول من الناحية النظرية على الأقل أن العمل الجمعوي اليوم أصبح يضطلع بمهام أكبر من مجرد خلق أنشطة تربوية و رياضية و ترفيهية ، بل يراد منه أن يكون شريكا فعالا في بناء مسلسل التنمية المستدامة ، من خلال التتبع و التقييم و الرصد و قوة الاقتراح و المشاركة عبر تقديم العرائض و الملتمسات التي نص عليهما الدستور . مما سبق يمكن أن نستنتج الخلاصات الآتية :

  • ضرورة الانتقال بالعمل الجمعوي من العمل البسيط المرتبط بالتنشيط إلى التكوين و التأطير، و هنا ينبغي التأكيد على ضرورة التكوين الداخلي لمكاتب الجمعيات ، فقد خلصت مخرجات الحوار الوطني للمجتمع المدني و الأدوار الدستورية إلى أن نسبة مرتفعة من الجمعيات ليس معرفة تقنية بصياغة التقارير الأدبية و المالية و ليس لها برامج سنوية .
  • الانتقال إلى مفهوم العمل الجمعوي المؤسساتي الذي يعمل على المشاريع التنموية و ليس الأنشطة الآنية، و بهذا تصير الجمعية تبحث عن التمويل المرتبط بالمشروع و ليس الدعم السنوي الذي في الغالب لا يكون كافيا و غير مرتبط ببرنامج يمكن تتبعه و تقييمه .
  • ضرورة التشبيك بين فعاليات المجتمع المدني و خلق هيئات قوية قادرة على المساهمة في بناء و تتبع و تقييم السياسات العمومية انطلاقا مما نص عليه الدستور و اطرته القوانين التنظيمية المتعلقة بالديمقراطية التشاركية.

إن واقع العمل الجمعوي اليوم يحتاج انطلاقة جديدة و نوعية ، تنقله من منشط تربوي إلى شريك في بناء السياسات العمومية بصفة عامة

loading...

Facebook Comments