قراءة في مقالات الناقد الراحل عبد الرزاق هيضراني

بداية لا أخفيكم أن هذه الفكرة تراودني منذ أن انتهينا من دفن الفقيد الصديق، وحاولت جاهدا مدافعتها والتهرب منها، مرة بداعي قصوري النقدي وبضاعتي المزجاة، ومرة بداعي  التهيب من هذا العمل المحفوف بالمخاطر، وأخرى بداعي إيماني أن الراحل أصبح قامة سامقة في النقد والكتابة ويجب أن يكتب عنه وعن أعماله من هو في مستواه أو يعلوه بمراحل لا أن يتسلق قلم مجهول جبلا  فيسيء لنفسه وللراحل من حيث يريد الإحسان، لكن رغم كل هذه المحاولات التي باءت بالفشل  وجدت نفسي مدفوعا إلى البداية في الكتابة لنفسي أولا، وللراحل ثانيا، فان لاقت المحاولة قبولا في محيطي الصغير وعند من أثق في ذوقهم وأدبهم قد أقرر نشرها، وان كانت الأخرى فلم أخسر شيئا، ويكفيني شرف المحاولة.

الفقيد ناقد مغربي من مواليد 1987 بالأوداية نواحي مراكش ، حاصل على شهادة الماجستير في النقد الثقافي وعلى شهادة التبريز، عضو مؤسس لجمعية سومر للإبداع والثقافة، – شارك في ملتقيات وندوات داخل المغرب ، من إصداراته الأخيرة ” “بنعيسى بوحمالة.. تآويل العين والروح” إشراف وتنسيق وتقديم (عن دار الأمان بالرباط 2017)، و”جداول الكتابة وأوفاقها الثقافية ” وهي الدراسة التي فاز بها بالمركز الأول لجائزة الشارقة للإبداع، وله – قيد الطبع كتاب “الكتابة والهامش- دراسات في الشعر المغربي الحديث” وكتاب ” ظواهر مجتمعية أم نصوص ثقافية .”

كل من تتبع كتابات الراحل، خاصة مقالاته التي كانت تنشر بوثيرة جد سريعة بمجموعة من الجرائد اليومية، كالقدس العربي، والمجلات العربية كالوعي الاسلامي وأصوات الشمال وغيرهما ، والمواقع الالكترونية كهسبريس وكلامكم ولكم وغيرها، لابد أن يلاحظ عمق الكاتب في تحليلاته واستنتاجاته، وسلاسة لغته ورقي كلماته رغم حمولتها الضخمة  وتشعب المواضيع التي كان يكتب فيها من فكر ونقد وتأملات عامة.

فالكاتب لم يكن ليحصر نفسه في جنس دون جنس، ففي نفس الأسبوع تجده نشر قراءة نقدية لمجموعة قصصية، ومقالة فكرية عامة، ومقالا يبدي فيه رأيا في قضية معينة، دون أن يؤثر جنس على أخر، ولم يكن لينجح في هذا لولا همته العالية أولا، و تمكنه الواضح من آليات الكتابة ثانيا، وسعة اطلاعه وكثرة بحثه أخيرا.

وبتتبعي لمجموعة من المقالات التي  فاقت العشرة، أستطيع أن أحصر توجه الفقيد وملامح مشروعه الفكري في ثلاث محاور رئيسية:

* القراءة النقدية الجادة للقصة والشعر.

* الرجوع للتراث للنهل منه والكتابة عنه.

* الكتابة في المواضيع العامة في محاولة لتأسيس رؤية خاصة للأحداث المحيطة به وبناء نسق مفاهيمي خاص.

وسأمثل لكل محور بأمثلة قليلة علّني أنير جانبا ولو بسيطا من مشروعه الثقافي، أو أفتح بابا قد يأتي من خلفي من يدخله ويخرج بقراءة أكثر عمقا ونضجا.

المحور الأول: الكتابة النقدية

بحكم تخصص الراحل في النقد، فانه كان غزير العطاء في هذا الجنس، فما ينشر قراءة نقدية في مجموعة قصصية، حتى ينكب على أخرى أو يبدأ في نقد شعري جديد .

فنجد الفقيد يكتب عن عمالقة الأدب والفكر كعبد العزيز حمودة وثلاثيته في مقالة ” المرايا والوجه المخدوشهذه الثلاثية النقدية التي تحاول  تجذير أسئلة الهوية والثقافة العربيين من جهة، وعلى التحذير من مآزق الحداثة الغربية من جهة ثانية، وهو ما يطمح له وينشط فيه الفقيد، أي كيف السبيل إلى التعامل مع الثقافة الغربية دون الذوبان فيها والإعلاء من شأنها أكثر من اللازم، وفي نفس الوقت النهل من التراث العربي والموروث الثقافي دون تأفف أو تنصل؟

ويكتب عن محمود درويش، ويصفه ب” ظاهرة شعرية معقدة بالنظر إلى ما أثارته دواوينه الشعرية من مشاعر متضاربة في صفوف المتلقي العربي والعالمي على حد سواء”

كما نجده يكتب في مقالات أخرى عن كتاب أقل شهرة، وإبداعات اقل رواجا، وهو ما يجعله يخط  مسارا نقديا خاصا، على عكس بعض النقاد الذين لا يكتبون إلا على المشاهير.

ففي مقالة يكتب عن محمد زهير ومسرحيته “النداء”، وفي أخرى  يغوص في المجموعة القصصية لعبد الله المتقي “لسان الأخرس”، أو رواية الأردني أمجد ناصر “هنا الوردة”، في قراءة نقدية جادة، تحلحل النصوص و تغوص في الكلمات والمعاني، فتجده يضيف لها رونقا خاصا، وبعدا آخر، وقد تجده لا يتفق مع الكاتب، فيبحر في نقد بناء، يسلب الألباب، وتصويب حسن بعبارات رشيقة ومعاني أنيقة.

المحور الثاني: النهل من التراث

في مجموعة من المقالات، نجد الفقيد لا يفوت الفرصة  للرجوع إلى التراث العربي، الغني بالأجناس الإبداعية، فيحاول تقريبه إلى المتلقي بأسلوب جميل محبب، كعودته إلى مقدمة مقامات الحريري لسبر أغوارها، أو في قراءاته لقصائد متنوعة من الشعر العربي

المحور الثالث: الكتابة الفكرية

لا تكتمل ملامح المشروع الفكري للفقيد إلا بهذا المحور، لأنه لم يقتصر على قراءة التراث، أو القراءات النقدية للنصوص الإبداعية، بل نجده دائما يجعل بعض مقالاته تتحدث عن قضايا مجتمعية عامة، كرؤيته السياسية مع ربطها بالثقافة، وتأكيده الدائم أن هذه الأخيرة هي الرافعة لكل تقدم، وبدونها لا تقوم قائمة لأي مجتمع كان.

فنجده يكتب عن “المفكر وضمير المكفر”، في حقل من الألغام يسير فيه بحذر شديد، حيث كل كلمة لها وقعها وخطرها، من كلا الفريقين الفقهاء و المفكرون، وينتقل في مقالة أخرى للمجال السياسي يدرس لغته، كما في “اللغة والسلطة”، أو يفكك خطابه وينقده كما في ” الدرجة الصفر للخطاب السياسي”، وفي أخرى يبتعد أكثر فتجده يحلق عاليا بموضوع ك “التمثيل الثقافي والتمثيل المضاد”. وهكذا فقلمه سيال، ومواضيعه متنوعة، واطلاعه واسع، وهمته عالية، فلا يرضى لنفسه بجنس دون جنس، ولا يقبل لقلمه خمولا، وإنما هو إبداع متواصل وعطاء دائم، وخير شاهد ما خلَّفه في مدة زمنية قصيرة   (تخرج في 2012 و توفي يوم 7 غشت 2017 ) خير شاهد على نبوغه، فمقالاته كانت بمعدل مقالتين إلى ثلاث في الأسبوع، واشتغاله على إخراج كتابين إلى الوجود، وإنهاء آخرين، كان على وشك تقديمهما للطبع لولا أن الأجل باغته عليه رحمة الله،هذا دون أن يغفل وظيفته بل كان مثالا في العطاء والانضباط بشهادة كل من تعامل معه عن قرب.

فاللهم ارحم عبدك وتجاوز عنه واقبل منا هذه الكلمات في حقه وفاء له ولصحبته.

صورة للراحل الناقد عبد الرزاق هيضراني

loading...

Facebook Comments